فخر الدين الرازي
40
لباب الاشارات والتنبيهات
فإنه قد يتفق لشخص إيجاب عليه أو سلب عنه صحبه ، ما دام موجود الذات ، ولم يكن تجب تلك الصحبة ، كما أنه قد يصدق أن بعض الناس أبيض البشرة ما دام موجود الذات . واعلم : أن كلام الشيخ مشعر بأن الدوام في الجزئيات قد ينفك عن الضرورة ، وأما الدوام في الكليات ، فلا ينفك عن الضرورة وأنت تعلم بأن هذا ليس من مباحث المنطقي ، بل يجب على المنطقي أن يعرف الفرق بين جهة الضرورة وجهة الدوام ، سواء تلازما أو لم يتلازما . وأيضا : ولما سلم أن الدوام في الجزئيات قد ينفك عن الضرورة - وظاهر أن جزئيات النوع الواحد يجب أن يكون حكمها واحدا - فحينئذ يلزم جواز حصول الدوام الخالي عن الضرورة ، في كل واحد من تلك الجزئيات . وحينئذ يحصل الدوام في الكليات من غير الضرورة . ومن الناس من ظن أنه لا يوجد في الكليات حمل غير ضروري . وهو خطأ . فإنه يصدق أن يقال : إن كل كوكب شارق وغارب ، وإن كل إنسان متنفس مع أن هذه المحمولات غير ضرورية . إشارة : الإمكان قد يراد به ما يلزم سلب الامتناع . وعلى هذا التفسير فما ليس بممكن فهو ممتنع . فالواجب داخل في هذا الممكن . وقد يراد به ما يلزم سلب الامتناع والوجوب معا . ويكون التقسيم بحسب هذا التفسير ثلاثة : الممكن والواجب والممتنع . وقد يراد به ما يلزم سلب الامتناع والوجوب ، يحسب الذات والوصف والوقت . وهو كالكتابة للانسان . ويكون التقسيم يحسب هذا التفسير أربعة : الواجب والممتنع والممكن - الذي يكون ضروريا